بورتريه

وصفي التل ... جرح الأردن المفتوح

الثلاثاء 28-11-2017 09:30:19

محمد قبيلات...لماذا يستذكر الأردنيون وصفي التل بكل هذا القدر من الأحزان؟ ألأن ذكرى مقتله تحط عليهم كل عام  وسط أجواء برودة التشارين فيغمرهم الحنين إلى حرارة الصيف؟ أم لافتقادهم الرموز الوطنية الكبيرة؟ أم أنها الرغبة بأن يكون لديهم حزنهم الكربلائي، فصنعوا من وصفي أيقونة لمظلومية خاصة بهم؟. 

في مثل هذا اليوم استشهد وصفي أثناء حضوره اجتماع وزراء الدفاع العرب في القاهرة، فقضى غريبا كما ولد غريبا، حيث ولد وصفي عام 1919 في نواحي ديار بكر من أم كردية، ووالده شاعر الأردن عرار، وربما، من هنا، توررث الصلابة والإصرار، من أكثر من جهة، فقد نشأ في تلك الديار الكردية الجبلية، عاش بين أخواله وفي كنف عمه المنتدب من قبل الحكومة العثمانية كحاكم اداري لتلك المنطقة، وعندما أنهى العم مهمته بعد خمس سنوات عاد إلى الأردن ومعه الفتى وصفي ووالدته.
عندما يستذكر الأردنيون وصفي فإنهم يخشعون بمزيد من المشاعر التي تعبر عن افتقادهم للرمز، فقد مثّل منذ بدايات انخراطه في العمل العام نموذجا حيا للاقدام والاخلاص لمجتمعه الاردني والعربي، ومثله مثل شباب تلك المرحلة العائدين من الجامعة الامريكية في بيروت في مطالع الاربعينيات من القرن الماضي، عاد محملا بالافكار القومية، ولم يكن من باب أمامه لتحقيق ذلك إلا بالانخراط في الجيش العربي.
لكن كلوب باشا لم يوافق على تجنيده بحجة أنه لا يريد جامعيين في الجيش، فيذهب الفتى المصر على بلوغ غايته ويلتحق بكلية عسكرية في صفد، تابعة للجيش البريطاني، ويُقبَل بها ليتحقق حلمه وينضم بعد ثلاث سنوات إلى جيش انقاذ فلسطين الذي اسسته جامعة الدول العربية عام 1947 بقيادة العميد الركن فوزي القاوقجي وكان النقيب وصفي التل مديرا للعمليات، وعندما اتخذ مجلس الأمن قرارا بفرض هدنة في شهر آذار من عام 1949 م رفض وصفي التل ورفاقه قبول الهدنة لأنها كانت لصالح العصابات اليهودية، حسب رأيهم، ويتم الانسحاب في إثر ذلك إلى سوريا، ليدور نقاش بين التل والرئيس السوري في تلك المرحلة، حسني الزعيم، ويقرر هذا الأخير اعتقاله في إثر ذلك الحوار الحاد حول أولويات جيش الاتقاذ ولاعتقاده أن هذه المجموعة تساند خصمه شكري القوتلي.
لقد ظل وصفي مقاتلا عنيدا من أجل فلسطين، حتى مات في سبيلها، فعندما أطلقت عليه تلك المجموعة الفوضوية النار، في مثل هذا اليوم من عام 1971 امام فندق الشيراتون في القاهرة، لم تكن مدفوعة بالثأر فقط، من قبل جماعة أيلول الاسود التي أسسها ابو اياد، بل هي مدفوعة من قبل الأطراف كافة والتي كانت تخطط للانخراط في عملية الاستسلام للعدو التي انطلقت بكامب ديفد بعد خمس سنوات من مقتله، ولم نخلص الامة من براثنها حتى اليوم.
وتفاصيل حادثة الاغتيال الجبان تظهر أنه ليس من تجن في القول إنه تم التواطؤ من قبل الجميع، وبمباركة أمريكية واسرائيلية، فتم التنفيذ بأياد مدفوعة بوهم الثأر لابي أياد الذي سبق وأن اعتقل في الأردن إبان أحداث أيلول وظهر على شاشة التلفزيون الأردني معلنا براءته من العمل الفدائي.
يقول نذير رشيد، الذي كان يترأس جهاز المباحث في تلك الفترة، أن معلومات مفصلة وصلته عن سفر تلك المجموعة، وبأسمائهم المعروفة، إلى القاهرة مستبقين وصول وصفي لاغتياله، ومع ذلك يسافر، وتصل المجموعة مطار القاهرة فيُضبط أفرادها وبحوزتهم المسدسات عند تفتيشهم، ويتم التحفظ عليهم، لكن أوامر عليا جاءت لسلطات أمن المطار تأمر بالافراج عنهم فورا وبأسلحتهم.
وبعد تنفيذ العملية، يتم تبرئة المجموعة ويطلق سراحهم جميعا، رغم مجاهرتهم واعترافهم بفعلتهم، وعلى الأغلب، أن ما ذهبت إليه التحقيقات بأن وصفي قد قتل برصاصة من غير نوع تلك الرصاصات التي أطلقت عليه من الأسلحة المضبوطة مع القتلة، انما هي قصة تم اختراعها وفبركتها من قبل نظام السادات لتبرئة المجموعة القاتلة فقط.
من جانب آخر، وعلى الصعيد الداخلي، أرسى وصفي التل لبنات أساسية في بناء الدولة الأردنية، وكان نصيرا للفقراء، ومحبا للأرض، وبانياً للهوية الأردنية، ويكفي أن نتذكر أنه تم في عهد حكومته الأولى تأسيس البنك المركزي الأردني والجامعة الأردنية ومؤسسة الاقراض الزراعي والمنظمة التعاونية، كما تم تأسيس أول مدرسة زراعية في منطقة الربة الكركية، وكذلك تأسيس التلفزيون الأردني.
وما يزيد في حنين الأردنيين لشخصية وصفي التل نزاهته ونظافة يده وقناعاته المقرونة بأفعاله بضرورة بناء دولة المؤسسات والعدالة، المعتمدة على ذاتها، وتسامحه مع من يختلف معهم في الرأي؛ ويكفي، على هذا الصعيد، أن نتذكر قراره بحرق ملفات المعارضين للنظام وتبييض صفحاتهم لدى جهاز المخابرات الذي كان يسمى في ذلك الحين المباحث.
ولعل خواطر الاردنيين تسرح إلى ما هو أبعد من ذلك، فينظرون إلى واقعهم بمزيد من الاحساس بالفقد لذلك الرمز الذي ما كان ليقبل بحال من الأحوال بما وصلته أوضاعهم اليوم، من مديونية وبطالة وانسداد لكل آفاق الحلول. فيهزجون، مُعتقين تلك الأحزان بحدائهم " يا مهدبات الهدب غنن على وصفي" بما يزيد من اصرارهم على المضي قدما على الطريق ذاتها، على أمل أن تظل البلاد ولّادة، لأن روح وصفي ما زالت تطوف ارجائها.

الإسم
البريد الالكتروني
التعليق


سيتم نشر تعليقك بعد مراجعته من فريق الموقع
التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي او موقف اسرة التحرير

الأرشيف

 

2017-11-28 : وصفي التل ... جرح الأردن المفتوح

2017-11-20 : سعود القحطاني رئيس اتحاد الأمن السيبراني الذي يستفز داعمي الإرهاب

2017-10-26 : عدنان العبداللات ..طبيب أردني يهزم مرض (الزهايمر)

2017-10-15 : ليث شبيلات.. سياسي يعارض الحكم والمعارضة

2017-10-14 : الحاجة مريم..سنديانة مليح وزيتونتها الباسقة

2017-10-08 : هند الفايز .. ابنة مغرمة بأبيها وفارسة لا يشق لها غبار

2017-09-27 : جريس سماوي من المهجر إلى كرسي الوزارة عبر رواق الشعر وقوافي القصيدة

2017-09-23 : محمد مهدي عاكف...إن عشت فعش حراً أو مت كالأشجار وقوفا

2017-09-07 : فراس نصير .. مُنْتَجْ أردني فاخر صُدِّرَ للخارج وأُعِيْدَ استثماره داخلياً

صفحه 1 من 16        1    2    التالي