نافذة نيسان

السطو على عجوز شمطاء اسمها بنك.. وفكرة الخير والشر

الثلاثاء 24-04-2018 12:09:35

ترسخت صورة البنك في المخيال الشعبي على هيئة مكان مهاب يحوي قاصات وخزائن مترعة بالنقود، ويتمتع بحصانة كبيرة.
محمد قبيلات...من أين جاءت النقود؟ ولمن تعود ملكيتها؟ على الأغلب، يُنحّي العقل الجمعي مثل هذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة معدومة الإجابات والمتعلقة بشرعية هذا التكدس النقدي الهائل، لمصلحة الشعور بالغبن الناجم عن عدم الرضا عن عملية توزيع الثروة الرئيسية في المجتمع.
إذن الحل إذعاني، فلا مناص من الانصياع للمعادلة المفروضة بحكم السلطة. يدخل المواطن البنك مسالماً، يتقدم بخطى مترددة، يصّفُ العبارات المغلفة بالأدب والمجاملة والملاطفة للموظف الأنيق، لا ضير من لعثمات عابرة، وعلى سبيل اختصار الصراع، يجنح للسلم تحت ضغط الحاجة، يطلب قرضاً، فيكون الجواب إما بالموافقة أو الرفض.
في حالة حصول الموافقة، فإن هذا المواطن يقضي بقية عمره مرهوناً للبنك وصيغه التي تراكم الفوائد وخدمة الدين، فتتضاعف أحقاده، أما في حالة الرفض فهي الطريق الأقصر لتكوّن تلك الأحقاد ذاتها.
لا يتطلب رسوخ هذه الصورة، أو الفيروس، في العقل الجمعي، ذهاب الأفراد جميعهم إلى البنك، أو المواجهة، فالقضية فرض كفاية، تنتقل بالتأثير أو بالتأثر من فداحة الاستغلال والتحكم.
وإذا رغبنا في استحضار التوصيف المادي، فهذه نقود فائضة، ليس عن الحاجة، بل عن القيمة التي تعادل حبات العرق المسفوحة في معبد الإنتاج وثمناً للجهد المباع في سوق العمل، وهذا ما ينزع عنها، أخلاقياً، شرعية الملكية، فتدخل الضحية لوهلة حالة من الخروج عن أطوار الاذعان، في نزوعٍ للخلاص الفردي، وإباحة للمحرمات من أجل استرجاع الحق المغصوب.
هنا لا بد من استحضار حالة البطولة، كفعل مطلق يطغى على النسبي، وما يتطلب أيضاً إعادة النظر بجملة من التعريفات، فيصبح بحكمها السطو فعلاً مطلقاً، متمرداً، ليس من قبيل السرقة أو الاختلاس، بل إنه يسمو فوق تلك التوصيفات التربوية، فهو عمل تاريخي يتطلب، ربما، التضحية والشجاعة والإقدام، أو النكاية بالمنظومة باستدعاء المهزلة والملهاة، مثل ذلك الساخر بجبروت السلطة، والذي نجح بالسطو على مصرف بمسدس بلاستيكي، اشتراه بالضرورة من محل ألعاب للأطفال، ولعل هذا ما يفسر تعاطف الجمهور مع الساطي على البنك في الحادثة الأولى من عمليات السطو التي حدثت في عمّان، هذا العام، والتي دخل بها الفاعل إلى البنك من دون قناع وأخذ ما تيّسر من النقود وخرج سالما.ً
أيضا تتراكم القناعات، بفعل الضغوط على الكائن الاجتماعي المقهور، فتعزز لديه الشعور بأنه على حق وأن عمله مبرر، وهذا ما ظهر مؤخراً على سلوك آخر أبطال عمليات السطو على أحد فروع البنوك في العاصمة، إذ خرج الفاعل من البنك حاملاً ستة عشر ألف دينار توجه بها فوراً إلى مجموعة من الدائنين، سدد الرجل ديونه كلها ومن ثم توجه على الفور إلى أقرب مركز أمني وسلّم نفسه لـ"العدالة"، وأقواس التشكيك هنا ناجمة عن ترسيخ القوانين وحمايتها لعملية تقسيم الثروة غير العادل.
مَنْ الخيّر ومَنْ الشرير في رائعة فيودور ديستوفسكي الجريمة والعقاب؟ هل العنصر الخيّر هي تلك العجوز الشمطاء المرابية (البنك)، أم أنه ذلك الفتى (المُقترِض بضمان الرهن)؟
وإلى أي مدى تبدو الصورة متطابقة بين البنك والمرابية؟ وبالمقابل، ما أوجه الشبه بين صورة رسكولينكوف والمقترض الذي سيتحوّل أيضاً إلى مجرم مدفوع بالمشاكل الاجتماعية والأخلاقية ذاتها؟
إنه، ومن دون أي انحياز، تطابق وتشابه تامّ لتوضيح الصورة، ومن أجل أن يرتاح الضمير، لا بد أن نعرف كيف تأسست هذه البنوك ومن يديرها ومن هم المالكون لها.
ببساطة، تأسست البنوك بتعاضد قوي وتواطؤ بين جناحين من السلطة والفساد، فما كان عليك إن أردت تأسيس بنك إلّا أن تذهب مع مجموعة من الأصدقاء أو الشركاء إلى مراقب الشركات وتتقدم بطلب تأسيس شركة مساهمة عامة.
تُطرح الأسهم للاكتتاب بعد الموافقة، لتجمع من الناس رأس المال الذي كان فقط عشرين مليون دينار، فتشكل أنت وشركاؤك مجلسا للإدارة، ولك أن تسميه ما شئت مما حسُن من الأسماء، ولا بد من مدراء متنفذين نافذين، وآخرين تنفيذيين، لا يهم كم سيحصدون من الرواتب، فخير المساهمين كثير.
هكذا، ومن دون أية صعوبات، يبدأ عمل البنك، فيأتوك المودعون، منذ البداية، من كل فج عميق، ومن ضمنهم مؤسسة الضمان الاجتماعي والمؤسسات العامة، في الأغلب ستودع عندك أضعاف أضعاف رأسمالك مقابل فوائد قليلة، نعم؛ سيتم هذا الأمر بسهولة، شريطة إجراء تفاهمات فوق الطاولة وتحتها.
هنا، تبدأ أنت بإقراض الناس بفوائد عالية، وإذا تعثروا سيساندك القضاء، لتحقق ما شئت من الأرباح.
أو لا تقرضهم، ودع بعض ضعاف النفوس منهم يسطون على البنوك ويسرقون القليل من الرزم النقدية، فهي مؤمنة لدى شركات التأمين التي تشترط على موظفي البنوك عدم المقاومة.
لِمَ؟ من أجل أن يُحشر ذلك الجني "الجاني" خمسة عشر عاماً في السجن، فتتحمل الدولة مصاريفه وعلاجه ورعايته طوال هذه المدة. وتسدد كل هذه الكلف من الضرائب المحصلة أصلاً منه ومن أمثاله.
ماذا يعني كل ما تقدم؟
المواطن يدفع لتأسيس البنك، المواطن يقرض البنك مدخراته، المواطن يدفع رواتب المدراء العالية، وعندما "تقبّع" مع أحدهم ويقرر السطو على أمل تحقيق خلاصه الفردي، تتكفل مجموعة المواطنين أيضًا بتغطية نفقات سجنه!

الإسم
البريد الالكتروني
التعليق


سيتم نشر تعليقك بعد مراجعته من فريق الموقع
التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي او موقف اسرة التحرير

الأرشيف

 

2018-04-24 : السطو على عجوز شمطاء اسمها بنك.. وفكرة الخير والشر

2018-04-23 : من هم قُطّاع الطريق الصحراوي؟

2018-04-16 : الأردن منفرداً في قمة الظهران

2018-04-04 : غزة تجلس بكامل أُبهتها لتشرب القهوة على عجل كاوتشوك

2018-04-02 : إجازات الملقي .. نرجوك اجعلها مفتوحة

2018-04-01 : لماذا كل هذا التشفي بباسم عوض الله؟

2018-03-29 : مفلح العدوان .. فتى الجبال يوثق همس القرى وأنّاتها

2018-03-21 : إصلاحات الرزاز..من لم يدخل المدارس يصبح شيخ قبيلة ويأتمر الجميع بأمره

2018-03-20 : حراك ذيبان يحل مشكلة البطالة السياسية

صفحه 1 من 28        1    2    التالي